في العراق :العنف الاسري في ظل تداعيات أزمة كورونا

اتخذ العراق تدابير غير مسبوقة على خلفية تفشي فايروس كورونا، الهدف منها الحد من حركة الأشخاص، ومنع الانتشار السريع للوباء منها: الحجر المنزلي الذي عملت به أكثر من 90 دولة، واغلاق المدارس والجامعات، والأماكن العامة مثل: المطاعم، ومراكز التسوق، ومنع التجمعات البشرية، والابتعاد عنها.

إن هذه الإجراءات لم ترافقها سياسات اقتصادية واجتماعية يمكنها أن تخفف من الأعباء، والآثار المترتبة عن الحظر والحجر المنزلي من مثل تعويض المتضررين؛ بسبب الحجر وحماية الأفراد المعرضين للفقر، وضمان الأمن الغذائي للفئات الأكثر هشاشة، وحماية النساء والأطفال من التعرض للعنف.

لم يواجه العراق أزمة وبائية منذ عقود طويلة؛ وبالتالي لم تتشكل خبرات مؤسسية أو مجتمعية للتعامل مع الأوبئة، والعدوى السريعة الانتشار تمكنه من الاستجابة السريعة وبكفاءة عالية ومحيطة بكل المشكلات والعواقب المحتمل ظهورها، تجعله أكثر قدرة على احتوائه ومواجهة تداعياته الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.

خلفت الأزمة الوبائية والطرق المتخذة لمواجهتها الكثير من التداعيات التي من المحتمل أن تعمق التفاوتات الاجتماعية بنحو عام والتفاوت ما بين الجنسين على وجه الخصوص وتفاقم عوامل الخطورة التي تزيد من احتمال تعرض النساء والأطفال للعنف، والكثير من هذه التداعيات ممكن احتواؤها أو التقليل من آثارها السلبية فيما لو كُشف عنها، وتحليل المتغيرات المتعددة التي من المحتمل أن يكون لها تأثير على مسارات الوضع في العراق خلال جائحة كورونا وما بعدها.

وعلى الرغم من الوفرة في عدد الكتابات والتقارير الحديثة بشأن التداعيات المحتملة للأزمة الوبائية، غير أن المعاينة الميدانية في العراق للآثار الجانبية المترتبة على جائحة كورونا، والعنف المبني على النوع الاجتماعي خلال هذه الأزمة محدودة جداً، وهناك ندرة في الدراسات والبحوث التي تقدم وصفاً واقعياً ومبنياً على التحقق الميداني للظاهرة، وهو ما يشكل واحداً من أهم التحديات في التصدي للعنف المبني على النوع الاجتماعي والعنف الأسري خلال الجائحة.

أعدت دائرة تمكين المرأة بالتعاون مع صندوق الامم المتحدة للسكان تقريراً خاصاً عن أثر الأزمة الوبائية الراهنة في زيادة حوادث العنف المبني على النوع الاجتماعي، إلا أن هذا التقرير اعتمد على العاملين في نقاط تقديم الخدمات لاستقاء المعلومات، وليس على النساء أنفسهن والتعرف منهن على ما يواجهنه من عنف. وأعد معهد المرأة القيادية استطلاعاً بشأن النساء والفتيات في ظل جائحة كورونا شمل 2500 امرأة في أربع محافظات، غير أن الأسئلة الخاصّة بالعنف المبني على النوع الاجتماعي كانت محدودة جداً.

تحاول هذه الورقة توجيه الاهتمام إلى واحدة من أهم المخاطر والتداعيات التي رافقت الأزمة الوبائية ليس في العراق فحسب، وإنما في العديد من دول العالم، وهي ظاهرة العنف الأسري التي أصبحت تعرف بجائحة الظل أو الجائحة المستترة، وتقديم فهم وإن كان سريعاً للكيفية التي يمكن أن تؤثر بها الجائحة والإجراءات المتخذة لمواجهتها على زيادة احتمالية تعرض النساء والأطفال للعنف داخل الأسرة، عبر تشخيص انتشار العنف الأسري وتحديده في العراق قبل الجائحة ومقارنتها بحالات العنف التي رُصدت خلال الجائحة، وتحديد عوامل الخطورة التي تولدت عن انتشار فايروس كورونا التي زادت من احتمال التعرض للعنف. يعتمد التشخيص في هذه الورقة على البيانات والتقديرات التي قد تكون تقريبية حول العنف المبني على النوع الاجتماعي والصادرة من جهات رسمية ومنظمات غير حكومية وعلى ما نشر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى