حاولتُ أن أكون فتاة عراقية ليومين فقط ولكن لم أنجح

احمد محسن

تزداد وتيرة السجال النسوي هذه الأيام بين جمهور من النساء الشابات الثائرات على واقع الحال الاجتماعي المفروض عليهن بين قبل الأسرة والأعراف، وهو سجال لا يخلو من الجدل، ولا الرجال، أحياناً.

أتابع الشد والجذب في الحوار على مواقع التواصل بصمت، فأنا لستُ امرأة ولا أرى أنّ من حقي أن أكون متآمراً آخر على نساء قد لا يملكن من الحرية أكثر من مساحاتهن الخاصة على مواقع التواصل.

ولكن، استوقفني تعليق إحداهن على جملة كررتها غالبية الشابات، ومن بينهن النساء في أسرتي حول وضع الرجال والشباب أثناء حظر التجوال وهو “صار الرجال حالهم من حالنا”، مشيرات إلى القعود في البيت.

إلا أن هذه الشابة رفضت المقارنة، وقالت “ماكو مقارنة. الولد يطلعون يروحون يجون ويا أصدقاءهم. احنه حتى هاي ماكو! عدا انّه  نتحمل عصبيتهم لأن كاعدين بالبيت!”.

أقنعني الحديث بأن أجري تجربة اجتماعية مع نفسي: سأكون امرأة لعدة أيام. نعم، قررت اليوم التخلي عن رداء الذكر العراقي بكل ما يملكه من امتيازات وأولويات اجتماعية، وأن ارتدي شخصية الفتاة العراقية وأتعايش مع الظروف اليومية التي تواجهها. كان تغييراً ذهنياً فقط، فلن أستطع إخفاء ملامحي الجسدية أو التظاهر، ولو تمثيلاً، بأنّي أنثى فذلك سيعرضني للقتل المحتم!

خلاصة التجربة أن أضع نفسي مكان الفتاة في البيت والشارع والسوق ومكان العمل، وأن أتصرف مثلها وفق معرفتي بما تتعايش معه بشكل يومي من أنواع التضييق والمضايقات.

“بنات الناس ميطلعون بليل”

أدركت فوراً أنني سأفشل من اليوم الأول للتجربة، إذ تواعدت مع صديق لي للخروج مساءً، لكني قررتُ الاستمرار في الدور، فاستأذنتُ من والدتي إن كانت تسمح لي بالخروج.

نظرت أمّي إليّ دون تعليق، وعادت إلى مشاهدة برنامجها المفضّل على جهاز “الآيباد”. حين كررتُ السؤال أجابتني “روح منو لازمك؟ ماريد شي”، فقد ظنّت أنني أسألها إن كانت تريد مني شيئاً ولم يخطر على بالها أنني أطلب موافقتها.

ماذا لو كنت فتاة؟ لا حاجة للتفكير كثيراً، سيكون جوابها بلا شك “بنات الناس ميطلعون بالليل”. اتصلت بصديقي لأبلغه بأنّني لا أستطيع الخروج، فارضاً على نفسي قيداً وهمياً لن أعيشه لكوني رجلاً.

في عصر اليوم التالي كنت خارجاً للتسوّق ولفتت انتباهي سيدة متقدمة في السن وبكامل صحتها تسير في حرارة الصيف مرتدية ملابس كثيفة وعباءة. كانت نقطة أخرى لم أنتبه لها، فأنا خرجت من البيت أرتدي “تي شيرت” وبنطلون خفيف، لم تصدر أي ردة فعل من الناس في المنطقة التي أسكن فيها وأنا أسير، ولكن ماذا كان سيحدث لو كنتُ فتاة ترتدي “تي شيرت” أو أي شيء يخفف من قساوة شمس تموز ونزلتُ إلى السوق؟

ربما ستتوجه إليّ نظرات الناس مستغربة، دون أن تخلو من الامتعاض، ولن يقتصر الأمر على النظرات فقط، بل قد يتحول إلى تنابز بالألفاظ البذيئة لإدانة ملابسي، وربما يصل الأمر إلى التحرش الجسدي.

نفس التساؤل تكرّر وأنا أستقل وسيلة النقل الرخيصة “الكيا”، حيث تتجنّب كثير من الفتيات استخدامها في العراق خوفاً من التحرّش، كما لا تستقل سيارة أجرة (تاكسي) إن كانت وحدها، فقد  تقع ضحية نوايا صاحبها السيئة.

كنت مخلصاً للتجربة، لذلك وفي اليوم الثاني ارتديتُ قميصاً طويل الأكمام، وكان هذا بمثابة “حجابي”.

اعتدتُ السير يومياً مسافة لا تتجاوز 15 دقيقة بين آخر محطة للكيا ومحل عملي، وكاد الحر أن يوقعني. مجرّد تخيلي بأنّي أرتدي أكثر أو أغطي رأسي ورقبتي كاد يخنقني.

يقع مكتبي في شارع عام مزدحم يضم سوقاً وعيادات وصيدليات، ولا يكون خالياً أبداً. استعجلت السير ومررتُ من بين العشرات من الرجال كي أصل مكان العمل، حيث جهاز تبريد للخلاص من حرارة الجو وقساوة الأكمام الطويلة في شهر تموز! وتكرّر السؤال ذاته: لو كنت فتاة، هل سأستمكن من شق الطريق بسهولة دون التعرّض للمضايقات؟ على الأرجح، لو كنت فتاةً مضطرة للسير وسط سرب من الذكور، لطأطأت رأسي وسرت قريباً من الجدار، لا أرفع عيني عن الأرض ولا أجيب الكلمات التي تتوجه إليّ،  فالدفاع عن نفسي قد يعرضني للضرب، والاتهامات ستوجّه ضد ما أرتديه حتى لو كنت في كامل الستر.

وهنا، تذكرتُ كيف يوصف الشاب الذي يرد باللكمات على من يخطئ بحقه بأنّه “بطل ميخاف شي”، بينما الفتاة التي ترد على المتحرش بها لفظياً، توصف بأنها “جسرة”.

تقول د.ح (24 عاماً): “أنا محجبة وملابسي طويلة صيفاً وشتاء وأتعرض يومياً للتحرش في طريقي إلى العمل لفظياً أو جسدياً”.

كما أكدت أ.س (20 عاماً) لي أيضاً أنها تتعرّض “يومياً اللفظية والجسدية ولا تستطيع الرد بشيء لأن الناس سيقولون إنها (وكحة) أو (لو هي شريفة كان سكتت)” .

عجزتُ عن إتمام التجربة لأكثر من يومين تخللهما الكثير من “الغش” الذي مارسته كوني ذكراً.

لم أتطرق في تجربتي إلى القضايا العميقة، فلم أخض مثلاً تجربة خطوبة أو زواج قسري، لم أسمع من المجتمع شروطاً يجب تحقيقها لكي أعتبر “طبيعية”، مثل الزواج المبكّر وطاعة الزوج في كل شيء حتى إن كان عنيفاً، كما لم يُسلب خلال هذين اليومين حقي في إكمال الدراسة أو تقرير مستقبلي، ولم يضربني أخي لأنه يمرّ بوقت عصيب، ولم يذبحني أبي لأنّي مارستُ حقي في الحب.

حاولتُ أن أكون فتاة عراقية ليومين، فحرمتُ نفسي من التنزّه على الدراجة الهوائية مثلما اعتدت أن أفعل، ولم أخرج مساءً مع أصدقائي، ولم أسهر، وارتديتُ ملابس لا تناسب الصيف. كانت هذه أقصى تضحياتي وهي في الحقيقة أقلّ همومهنّ!

بالتأكيد لا يوجد تعميم، فهناك فتيات حظينَ بأسر متفهمة ولديهن مساحة حرية أوسع من الحالة العامة، ولكن النسبة الأكبر من نساء العراق مقيّدات في زوايا الخجل والخوف والانصياع طوعاً لما وجدنَ عليه الأمهات والجدّات.

ومن تطالب بحقها في الحرية تصطدم مع الحرس القديم الذي يضم أيضاً نساءً يدافعن عن الأنظمة الربوبية الذكورية تحت مسميات مثل “الشرف”.

حاولتُ أن أكون فتاة عراقية، ولم أنجح. فأنا لا أملك صبر نساء العراق ولا ثباتهنّ، ولكني مدينٌ بأن أكون حليفاً لهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى